موقع Allah Mahabba بين يسوع والمـرأة الخاطئة تعليمٌ جديدٌ يُلقى علينا!
لم يتوانى اليهودُ لحظةً واحدة عن مُحاولات الإيقاع بيسوع. لم تكُن مُحاولاتهم بهدف الفهم والإيمان على مثال نيقوديموس، بل على العكس من ذلك، كانت مبنيّةً على الخُبث والمـكر والخداع. طالت مُحاولاتهم البُعد الدّينيّ والتّعليميّ وبلغت البُعد الإجتماعيّ والسّياسيّ. من بين هذه المـُحاولات قدّموا لهُ المـرأة الخاطئة الّتي وُجدت في حالة الزّنى. جرى عرضُهُم ومُساءلتهم لهُ في وسط الهيكل أمام زحمة الجُموع، وبالتّالي أرادوا أن يُحرجوهُ أمام النّاس ليُعلنوا أنّ تعليمهُ يُخالفُ الشّريعة ويتعارض مع قُدسيّة الهيكل، فيستطيعون بذلك الإدّعاء أنّهُ قد نجّس الهيكل بتعليمه.
لم يكُن ردُّ يسوع عليهم من باب المـُحافظة أو الدّفاع على صورته في المـُجتمع، ولا من جانب الفطنة البشريّة لتجنُّب السُّقوط في شركهم، بل كان جوابُهُ مقرونًا مع تعليم الشّريعة بأُسلوبه الخاصّ، وأكثر من ذلك كان تأنيبًا صريحًا لسائليه ودعوةً للتّوبة ليس فقط للمرأة الخاطئة بل لكُلّ سامعيه. جاءهُ الكتبةُ والفرّيسيّون بالمـرأة الخاطئة ليروا كيف سيُفسّرُ التّوراة. جاؤوهُ مع شُهود العيان لكي يُثبّتوا قضيّتهُم، ولكي يُظهروا غيرتهُم الكاذبة على الشّريعة، وتمسُّكهُم الحرفيّ بها. إنطلاقًا ممّا صنعهُ سابقًا أمامهُم، ظنّوا أنّهُ سينقُضُها، علمًا هو الّذي قال: “ما جئتُ لأنقُض الشّريعة بل لأُكمّلها”.
نرى يسوع في مُواجهته للكتبة والفرّيسيّين بقي صامتًا مُدّةً من الوقت، لا بل راح يخُطُّ بإصبعه على تُراب الأرض، ولم يفتح فاهُ بكلمةٍ. لم يكُن صمتُهُ عبثيًّا بل كان ذات بعدين: الأوّلُ ليُذكّرهُم أنّ الشّريعة كُتبت مرّتين لموسى. الثّاني ليُذكّرهُم أنّ الشّريعة لم تُكتب لتُستخدم كوسيلة إدانة للنّاس ومُحاكمتهم، بل ليقرأها كُلُّ مُؤمنٍ فيعود إلى ذاته وتكون لهُ طريقًا يمضي به إلى البرّ في عبادته لله. لقد استخدم الكتبةُ والفرّيسيّيون الشّريعة ليدينوا بها النّاس لا ليُطبّقوها على أنفُسهم، وهذا أخطر ما قد نقع فيه نحنُ اليوم كمسيحيّين، إذ نعرفُ تعليم الرّبّ يسوع ولكن لا نعيشُهُ ولا نُطبّقُهُ على حياتنا وفي علاقاتنا وفي عبادتنا للرّبّ.
عندما خطّ يسوع بإصبعه على الأرض، أراد أن يُذكّر سائليه بأمرين: الأوّل أنّ الإنسان مأخوذٌ من التُّراب، وبالتّالي طبيعتُهُ البشريّة تجعلُهُ يُصغي إلى ما فيها من أهواءٍ وضُعفٍ ونقص. الثّاني عندما “إصبع الله” خطّ الشّريعة لموسى مرّتين على لوحي الشّهادة بسبب خطيئة الزّنى الّتي وقع فيها الشّعبُ بسبب عبادته للعجل الذّهبيّ. إنطلاقًا من هُنا إمكانيّةُ ودور الشّريعة أن تُسمّي التّجاوزات وأن تُشير إلى وقع الخطايا وأثرها، لكن ليس باستطاعتها أن تمحو الخطايا، ولا أن تُحرّر منها، أكثر ما تستطيعُهُ أن تُحذّر منها لتجنُّبها لعدم الوقوع فيها. صحيحٌ أنّ موسى قد شرّع قتل الزّاني، إنطلاقًا من ثقافة ذلك العصر، ظنًّا منهُم يُطهّرون الشّعب والمـُجتمع من خلال هذه المـُمارسات، ويستأصلون الشّرّ منهُ نهائيًّا، وأيضًا يردعون النّاس عن الخطايا من خلال أُسلوب التّخويف والتّهويل. رُغم ذلك بقيت الخطيئة موجودةً في المـُجتمع، لأنّها مُتأصّلةٌ في قلب الإنسان.
للأسف الشّديد كُلّ المـُجتمعات المـُتديّنة على اختلاف أديانها المـُتنوّعة تستخدمُ الشّريعة للحُكم والإدانة، وتضعُها كمقياسٍ للنّاس ليعرفوا أين هُم في مُمارستهم للدّين. موقفُ يسوع المـُزدوج تُجاه الكتبة والفرّيسيّين وتُجاه المـرأة الخاطئة، كان بمثابة التّصحيح لفهم الشّريعة، على أنّها وسيلة جيّدة عندما تُساعدُنا على معرفة خطيئتنا، ووسيلة خطرة عندما نستخدمُها لإدانة أنفُسنا والآخرين، بدلًا من التّوبة والإصلاح. لقد جُعل السّبتُ للإنسان وليس الإنسانُ للسّبت، وأيضًا وُجدت الشريعةُ لمُساعدة الإنسان ليعرف الخطيئة ويتجنّبها، لا ليكون عبدًا لها.
قولُ يسوع للكتبة والفرّيسيّين: “من منكُم بدون خطيئة، فليكُن أوّل من يرجُمها بحجر”، كان بمثابة البوصلة لفهم الشّريعة. في الوقت عينه كان كلمةُ الشّفاء والتّحرير للمرأة الخاطئة. من خلال مُحاكمتهم لها وإدانتها قبل رجمها حتّى، جعلوا من الله قاضيًا قاسيًا، لا يتفهّمُ ضعف البشر، ويمقُتُ نقائصهم وزلّاتهم. بينما موقفُ يسوع الفطن والحكيم والرّحيم، كشف لها وجه الله المـُحبّ والرّحيم والمُتفهّم. لم يستخدم يسوع في وجه الخطيئة أُسلوب التّخويف والتّعنيف، بل ظهر موقع المـسؤوليّة الشّخصيّة على ضوء محبّة الله. خطيئةُ الإنسان تعنيه شخصيًّا وتُدمّرُهُ وتقتُلُهُ، ولا تسمح لهُ أن يعرف مكانتهُ وقيمتهُ عند الله. إنطلاقًا من هُنا، نستطيع أن نفهم لماذا قال يسوع لها: “إذهبي ولا تعودي إلى الخطيئة”. لقد أرادها أن تكون مسؤولةً عن قرار توبتها على ضوء الرّحمة الّتي نالتها منهُ. أرادها أن تنظُر إلى كرامتها لا على قياس النّاس ولا على قياس الشّريعة، بل على قياس محبّة ورحمة الله لها. هذا هو العلاج والدّواء الوحيد الّذي يجعلها تسلُك في طريق التّوبة لا خوفًا من الدّينونة بل حُبًّا بمن أحبّها ورحمها وخلّصها. آمين.
تابعوا قناتنا
https://www.youtube.com/AllahMahabbaorg
شكراً لزيارة موقعنا. ندعوك لمشاركة هذه المقالة مع أصدقائك ومتابعة “الله محبّة” على مواقع التواصل الإجتماعي على فيسبوك وانستغرام ويوتيوب وتويتر. نسأل الله أن يضع سلامه في قلبك أينما حللت ومهما فعلت وخاصّة في لحظات الخوف والألم والصعاب. ليباركك الربّ ويحفظك، ليضئ بوجهه عليك ويرحمك وليمنحك السّلام!