تابعونا على صفحاتنا

مقالات

موقفُ الله من العُنف ومنفذُ الخلاص هو التّوبة!

تحتلُّ السياسةُ حيّزًا واسعًا من الحياة الإجتماعيّة وتُؤثّرُ على ديناميّة حياة الإنسان واستقراره وأمانه. في السياسة نُشاهدُ دومًا معارك القوى المـُختلفة، منها ما يأخُذُ وجهًا سلميًّا ومنها ما يأخُذُ شكلًا عسكريًّا ولكن يبقى المـُحرّك الأقوى في السياسة هو حُبُّ السُلطة والسّعي إليها والتّمسُّك فيها، أكثر ممّا هو سعيٌ حقيقيّ لتحقيق الخير العام. هذه شهادةُ الإختبار. من هُنا نُشاهدُ على ساحات العالم الحُروب لا تتوقّف لا شرقًا ولا غربًا، كما هي فعلًا على مُستوى المـُجتمعات الواحدة نفسها، وكما هي في قلب كُلّ إنسانٍ منّا. نحنُ دائمًا في حالة صراعٍ داخليّ، لا يُمكنُنا أن نتحرّر منهُ إلّا عن طريق التّوبة الّتي تعني العودة إلى حُضن الله الرّحيم والصّالح.

نُشاهدُ في الإنجيل جمعًا من النّاس أتى إلى يسوع ليُخبرهُ عن حادثة مقتل الجليليّين على يد المـلك هيرودوس بشكلٍ عنيف، وبدوره يُخبرُهُم يسوع عن حادثة ثمانية عشر شخصًا سقط عليهم البُرج فماتوا. لم يكُن ذكرُ الإنجيل عن مُحادثة هذا اللّقاء بعبثّي، لا بل ذاتُ هدفٍ ومغزًى. من أتوا إلى يسوع، جاؤوا إليه لأنّهُم رأوا فيه أنّهُ نبيٌّ من عند الله، وقد يكون المـشيحا، وبالتّالي، هُم ينتظرون منهُ، كما نحنُ جوابًا شافيًا عن موقف الله من العُنف والقتل والمـوت العبثيّ، الّذي ما زلنا نُشاهدُهُ في حياتنا اليوم.

جوابُ يسوع كان مُقتضبًا وواضحًا وصريحًا: التّوبة. لم يُعطنا يسوعُ حلًّا للنّزاعات القائمة، ولم يخدعنا أنّنا نحنُ أو حتّى الله نستطيعُ أن نوقف العُنف والقتل المـُتأتّي من الآخرين. نحنُ باستطاعتنا فقط ألّا نُبادل الشّرّ بالشّر، وهذا موقفُ قُوّة لا ضُعف. باستطاعتنا أن نُقاوم ونتصر على نتيجة الشُّرور الّتي هي خسارةُ الحياة بالمـوت، وذلك عن طريق التّوبة الّتي تستمدُّ قُوّتها من رحمة الله الّتي أضحت لكُلّ تائبٍ حياةً أبديّة. من هُنا نفهم كلامهُ لنا حيثُ يقول: “لا تخافوا ممّن يستطيعون أن يقتُلوا الجسد، وبعد ذلك لا يستطيعون أن يفعلوا شيئًا، بل خافوا ممّن لديه السُّلطان ليُلقي في جهنّم”. يُعلّمُنا الرّبّ يسوع كيف نُواجهُ حقيقة المـوت الّذي عاجلًا أم آجلًا، ورُغمًا عنّا سيطالُنا، وسنزولُ من هذا الوجود. إنطلاقًا من هُنا، نحنُ مدعُوُّون لئلّا نُؤجّل أبدًا توبتنا.

من خلال دعوة الرّبّ يسوع لنا إلى التّوبة، نفهم أوّلًا أنّ الله مشيئتهُ ألّا يحُدّ حُرّيّة الإنسان الّتي قد تختارُ الشّرّ بدلًا من الخير، ومشيئتهُ أيضًا لمن يُواجهون الشُّرور والظُّلم والعُنف أن يكونوا مُستعدّين لمُقاومتها لا بالإستسلام لها، ولا بحسب شريعة الإنتقام، بل فقط بعيش كُلّ لحظةٍ بما هي عليه في حيثيّة الواقع على ضوء مخافة الله وحُضوره ومحبّته. إنطلاقًا من هذا المـوقف الإيمانيّ، تُصبحُ التّوبة الّتي أرادها الرّبُّ لنا، أن نعيش كُلّ شيءٍ وكُلّ وقتٍ وكُلّ ظرفٍ فقط لله الّذي يُعطينا الحياة الأبديّة. إنطلاقًا من هُنا، يدعونا الرّبُّ لنعيش الرّجاء الّذي لا يُخيّبُ صاحبهُ أبدًا.

إذا تأمّلنا أكثر في قصد الرّبّ يسوع من عيشنا للتّوبة، نفهم أنّهُ يدعونا من خلالها إلى أن نكون أحياءً في وجودنا. هذا يعني أنّنا خارج التّوبة نعيشُ فقط من حيثُ أنّنا كائناتٌ إجتماعيّةٌ تتفاعل مع مُحيطها لا أكثر. بينما عندما نعيشُ التّوبة في حياتنا نكونُ أحياءً لأنّنا نتفاعل ونتوقُ ونصبو إلى مصدر وغاية وجودنا وهو اللهُ الحيّ والقُدُّوس، فلا يعُد يستطيعُ الواقع مهما كان صعبًا ومُرًّا أن يفصلنا عن محبّة المـسيح لنا: لا السيّفُ ولا الشدّةُ ولا الغرقُ ولا حتّى الموت.

يُعلّمُنا إختبارُنا للحياة أنّنا مُعرّضون دائمًا إلى تجارب إبليس الّتي تقومُ على: أللّامُبالاة، بمعنى الجهل وعدم الإدراك أنّنا سُنواجهُ حتميّة المـوت. والتّأجيل المـُستمرّ لتوبتنا ولصُنع الخير وإصلاح نُفوسنا. والإصغاء إلى مُعتقداتنا الخاصّة وإلى أهوائنا وغرائزنا وراحتنا الذّاتيّة، بدلًا من الإصغاء إلى كلمة الله بإيمانٍ وصدقٍ وانفتاح. من هُنا يربطُ الرّبّ يسوع تعليمهُ عن التّوبة بموضوع عطيّة الوقت الحاضر الّذي يُصبحُ صبرُ الله علينا لكي نتوب ونعود إليه. لهذا السّبب عينه يُقدّمُ لنا مثل التّينة الّتي أعطاها فُرصة سنةٍ جديدة لكي تُعطي ثمرًا، وإلّا تُقطع لأنّ وجودها بات تعطيلًا وأذيّةً للأرض. علينا أن نقرأ خطّ حياتنا وأن ننظُر بصدقٍ إلى ثمارها، فهل تدُلُّ على توبتنا أم لا؟

مع الرّبّ يسوع نكتشفُ أنّهُ لا يُمكنُنا أن نعيش حياتنا رماديّين أو فاترين. الرّماديّةُ والفُتور يعنيان السّواد والبُرودة. لذلك الوقتُ المـُعطى لنا هو نعمةٌ كبيرة تُصبحُ فيه حياتنا توبةً مُستمرّةً نحو الله. لا تغلبُها ظُروفُ الواقع المـُعاكسة، ولا تستأصل منّا قيمة وجودنا وثمرة جهادنا، بل تجعلُنا أحرارًا على مثال مُعلّمنا ننتصرُ على الصّليب برجاء القيامة. لا أحد منّا يملكُ الغد، كُلُّنا لدينا هذه اللّحظة الّتي بها نتنفّسُ، لذلك علينا بصدقٍ وحزم ألّا نُؤجّل أبدًا توبتنا إلى الغد. آمين.

تابعوا قناتنا

https://www.youtube.com/AllahMahabbaorg

شكراً لزيارة موقعنا. ندعوك لمشاركة هذه المقالة مع أصدقائك ومتابعة “الله محبّة” على مواقع التواصل الإجتماعي على فيسبوك وانستغرام ويوتيوب وتويتر. نسأل الله أن يضع سلامه في قلبك أينما حللت ومهما فعلت وخاصّة في لحظات الخوف والألم والصعاب. ليباركك الربّ ويحفظك، ليضئ بوجهه عليك ويرحمك وليمنحك السّلام!