تابعونا على صفحاتنا

مقالات

نعمةُ التّوبة: طريقُ العودة إلى الله!

تُعتبرُ الحُرّيّة هي من أسمى وأثمن القيم الّتي يتميّزُ فيها الإنسان. يُعبّرُ عن الحُرّيّة بالمـسؤوليّة وانتقاء الخيارات بالقرار المبنيّ على العقل والإرادة والتّمييز والرّغبة. هذا ما يجعلُها تُصبح تعبيدًا لطريقٍ شخصيٍّ وخاصّ هدفُهُ تحقيق الذّات وفقًا لخيار الشّخص وقراره. صحيحٌ أنّنا نختار ما نُريدُ أن نكون، لكنّنا نبقى مُقيّدين في حدود عقلنا وتربيتنا وتاريخنا وعلاقاتنا الإجتماعيّة وجراحنا النّفسيّة، وهذه مُجتمعةً كثيرًا ما تُؤثّر على خياراتنا وعلى قراراتنا، فكيف لنا أن نكون أحرارًا حقًّا؟

عندما نتأمّلُ في مثل الإبن الضّال، نكتشفُ من خلال خبرة الإبن الأصغر وجهين لقراراته، الأوّل جعلهُ يختار طريق الإنفصال عن بيت أبيه، وهو مُحمّلٌ بالمال، ليعيش في الغُربة -بمعناها العميق الإنفصال عن ذاته الحقيقيّة- الطّيش والضّلال والضياع حتّى بات مُعدمًا من كرامته. الثّاني جعلهُ يختار طريق العودة إلى بيت أبيه، إنطلاقًا من إستنارته الدّاخليّة واتّصاله بحقيقة هويّته المـُرتبطة بأبيه، فاتّخذ طريق العودة بخُطًى رشيقة وثابتة، رُغم أنّهُ أضحى فقيرًا وجائعًا ومُعدمًا، لكنّهُ بات على يقين استعادته لكرامته.

إنطلاقًا من هُنا، نكتشفُ أنّهُ بإمكاننا أن نختار ما نشاء، ولكن ليست كُلّ قراراتنا وخياراتنا تبنينا وتجعلنا نُحقّق ذاتنا الحقيقيّة، لذلك وجب علينا أن نُميّز قراراتنا لتكون صائبة. من خلال عودة الإبن الأصغر إلى ذاته، يُعطى لنا المـُفتاح لكي تكون قراراتُنا مبنيّةً على حقيقة أنفُسنا، وعلى الخير الّذي يجعلُنا سُعداء. عودةُ الإبن الأصغر إلى ذاته، هي موقفُ الصّلاة الحقيقيّة الّتي من خلالها عاد واكتشف حقيقة ذاته وصورة أبيه المـُحبّ والعادل الّتي ترمُزُ إلى صورة الله الرّحيم. هذه العودة إلى الذّات تأخُذُ أيضًا معنى السرّ بمعناهُ المـُقدّس، أي الوسيلة الّتي يستخدمُها الرّبّ ليتّصل فينا ولكي يفتح لنا طريق القداسة في عودتنا إليه وإن كُنّا فُقراء وخطأة ومجروحين؛ إنّهُ سرُّ التّوبة والمـُصالحة.

للأسف الشّديد، أصبح سرُّ المـُصالحة أو سرُّ التّوبة في الكنيسة مُشوهًا ومُهمّشًا، لأسبابٍ عديدة وأكثرُها الأفكار الخاطئة حولهُ، لكنّهُ يبقى باب الرّحمة الّذي فتحهُ لنا الرّبّ لنعود من خلاله إلى أنفُسنا الحقيقيّة وإلى المـُصالحة مع أبينا السّماويّ، ومع كُلّ من أخطأنا إليهم. إنّهُ مركزُ الشّفاء لكُلّ شخصٍ بلغ الصدق مع ذاته ليأخُذ طريق العودة إلى الله. لا يُمكنُنا أن نُشفى روحيًّا، إذا بقينا في حُجرتنا المـُظلمة، حيثُ لا نستطيعُ البوح عن أخطائنا ونقصنا وضُعفنا بإيمانٍ لشخص الكاهن الّذي يُمثّل الكنيسة والمـُعطى لهُ سُلطانُ المـسيح.

من خلال سرّ المـُصالحة نكشف أنفُسنا الحقيقيّة إلى النّور، كما كشف الإبنُ الأصغر لأبيه بثقةٍ ما كان يعيشُهُ في قرارة نفسه، فلقي أباهُ يُعانقُهُ بحرارةٍ ليلدهُ برحمته من جديدٍ كإبنٍ لهُ. وجد أنّ أباهُ لم يسألهُ عن ماضيه المـُشوّه، إنّما دعاهُ ليكون بملء كرامته إبنًا لهُ، مُعيدًا إليه مكانتهُ ومقامهُ في بيته الوالديّ.

هكذا نحنُ عندما نتوبُ حقيقةً إلى الله، نجدُ أنّ مكاننا الحقيقيّ والطّبيعيّ في الكنيسة، حيثُ نُشارك في وليمة الحمل الإلهيّ، الّذي ذُبح عنّا لكي نذوقُ وننظُرُ إلى طيبة الرّبّ. كُلُّنا مدعُوُّون لندخُل من باب الرّحمة، سرُّ التوبة، لكي نعيش فرح المُصالحة وننتعش برحمة الرّبّ. كُلُّنا مدعُوُّون لئلّا نُؤجّل طريق عودتنا إلى الرّبّ، بل لنلتمس منهُ دائمًا نعمة التّوبة. آمين.

تابعوا قناتنا

https://www.youtube.com/AllahMahabbaorg

شكراً لزيارة موقعنا. ندعوك لمشاركة هذه المقالة مع أصدقائك ومتابعة “الله محبّة” على مواقع التواصل الإجتماعي على فيسبوك وانستغرام ويوتيوب وتويتر. نسأل الله أن يضع سلامه في قلبك أينما حللت ومهما فعلت وخاصّة في لحظات الخوف والألم والصعاب. ليباركك الربّ ويحفظك، ليضئ بوجهه عليك ويرحمك وليمنحك السّلام!