تابعونا على صفحاتنا

مقالات

التّوبةُ الحقيقيّة ثمرةُ معرفة محبّة الله الوافرة بالمـراحم!

لا شكّ أنّ أحداث الحياة بما فيها من سلبيّاتٍ وإيجابيّاتٍ تطبع شخصيّتنا وتقودُنا إلى أن نكون ما قد وصلنا إليه. لا شكّ أنّ مُغريات العالم الخارجيّ تُؤثّر علينا بشكلٍ كبيرٍ متى سمحنا لها التّملُّك على أفكارنا ومشاعرنا. لا شكّ أنّ طبيعتنا البشريّة ترغب وتحلُم بالحُرّيّة والفرح والإستقلاليّة الذّاتيّة، ولكن غالبًا ما نتعثّر ونسقُط بسبب خياراتنا الخاطئة، وبسبب ضعف رُؤيتنا وهشاشة تمييزنا وقلّة حكمتنا. لا شكّ أنّنا غالبًا ما نكونُ عُرضةً لردّات الفعل النّفسيّة واللّاواعية الّتي تُؤثّر بشكلٍ كبيرٍ على وعينا وعلى قراراتنا من حيثُ ندري أو لا ندري. كُلّ هذه الإختبارات نجدُها في حالة الإبن الأصغر الّذي نُشاهدُهُ في المـثل الّذي قدمهُ لنا الرّبّ يسوع في حديثه مع الكتبة والفرّيسيّين حيثُ يُظهر معنى التّوبة وارتباطها برحمة الآب. تجدُرُ المُلاحظةُ في هذا المثل أنّ الإبنين الأكبر والأصغر كانا في حالة ضلالٍ، ولكن كُلًّا منهُما على حسب قناعاته الخاصّة.

               لقد تكلّم الرّبّ يسوع في عظته على الجبل عن الجوع والعطش إلى البرّ، ولكن غفُل علينا كيف يتكوّن هذا الجوع والعطش، وماهيّتهُ، وكيف يطالُ كُلّ شخصٍ منّا! صحيحٌ أنّ البرّ يعني الحياة الصّالحة والقداسة والعيش في كنف عناية الله ومخافته. إنّهُ العطش إلى الكمال الّذي يبقى نقيدًا لطبيعتنا المـفطورة على الضّعف والنّقص والهشاشة. عندما نتأمّلُ في مثل الإبن الضّالّ، وعندما نتوقّفُ أمام عودته إلى ذاته وجوعه وعطشه إلى الرّجوع إلى بيت أبيه مثلما يجوعُ إلى الطّعام الّذي يُغذّيه ليبقى حيًّا. نفهم هُنا جزءًا أساسيًّا من هذه الطُّوبى الّتي تحُثُّنا على التّوبة، والّتي تُصبحُ دافعًا أساسيًّا لنتوق إلى عناق وغمرة الآب السّماويّ من خلال يدي الإبن الفادي والرُّوح القُدُس المـُعزّي. تُصبحُ التّوبة تمسُّكًا بكرامة الله فينا. هل نجوعُ إلى الله مثلما نجوعُ إلى الخُبز لإشباع بُطوننا؟ وحدهُ هذا الجوع يدفعُنا لنمضي على طريق التّوبة الّتي عرفها الإبن الأصغر.

يُصبحُ هذا الجوع بالنّسبة لعُقولنا القناعة التّامّة أنّنا خارج العلاقة البنويّة مع الله الآب نُصبحُ أمواتًا كما السّمكُ خارج المياه. يُصبحُ هذا العطش بالنّسبة لقُلوبنا يقين الإيمان أنّنا خارج عيشنا في كنف العناية الإلهيّة، نعيشُ في الضّلال والضّياع وظُلمة اللّامعنى. إنطلاقًا من مكانة هذا الجوع والعطش المـُقدّسين في الحياة الرُّوحيّة نحنُ مدعُوُّون لنكتشف من خلال مثل الإبن الضّال المـفاتيح الأساسيّة الّتي يضعُها الرّبّ يسوع بين أيدينا لكي نرجع إليه مُسرعين على طريق التوبة الفرحة. يُشكّلُ هذان الجوع والعطش المناعة والقُوّة لئلّا نعود إلى إنساننا القديم.

بعدما قرّر الإبنُ الأصغر الإنفصال النّهائيّ عن بيته الوالديّ وقطع العلاقة البنويّة مع أبيه، والأخويّة مع أخيه، نراهُ يتّخذُ من الغُربة في هذا العالم بيتًا لهُ، ويجعل إنتماءهُ الكُلّيّ لهذا العالم بما فيه من مُغرياتٍ وأهواءٍ، مُسخّرًا كُلّ ما أُعطي لهُ لخدمة هذا العالم، حتّى أصبح عبدًا لهُ. من جهةٍ أُخرى نرى الإبن الأكبر قد حافظ على وجوده في البيت الأبويّ، لا حُبًّا بأبيه بل تمسُّكًا بأمانه وراحته وطمعًا بالخيرات، وخوفًا من المُغامرة. بقي عبدًا للشّريعة الّتي اتّبعها، فلم يستطع أن يتنعّم كإبنٍ بمحبّة أبيه. خيارُ الإبن الأكبر جعلهُ في حالةٍ من الإكتفاء، فلم يعرف معنى الجوع والعطش الرُّوحيّ، بسبب انغلاقه على ذاته. من هُنا نتعلّم أنّ التوبة الحقيقيّة الّتي هي جوعًا وعطشًا روحيًّا للثّبات في محبّة الله، ليست بحاجة لنبتعد لنعود إلى العلاقة البنويّة مع الآب ولا هي مُكوثًا جامدًا في البيت الأبويّ، بل تكمُنُ في اليقظة والمـعرفة والسّعي الصادق لإدراك محبّة الله الثّابتة لنا.

تميّز الإبنُ الأصغر بروح المـُغامرة والرّغبة بتحقيق ذاته ولو بطريقةٍ خاطئة أو شاذّة، وهذا ما دفعهُ ليمضي إلى بلدٍ بعيد. صحيحٌ أنّهُ انفصل نهائيًّا عن مصدر وجوده وفي الوقت عينه عن ذاته الحقيقيّة، لكنّهُ أدرك آخر المـطاف بسبب عودته الصادقة إلى ذاته ومُساءلته لنفسه بتواضُعٍ وانسحاق قلب أنّهُ قد اقترف خطيئةً كبيرةً تُجاه نفسه وتُجاه أبيه وتُجاه السّماء، ممّا جعلهُ يُصمّمُ على إصلاح مسار حياته وخياراته ومواقفه. ما جعل تصميمهُ حقيقيّ على إصلاح سيرة حياته، هو إكتشافهُ في صميم قلبه محبّة أبيه لهُ الّتي لم يُحسن تقديرها قبلًا، ولم يكُن مُمتنًّا عليها سابقًا.

لم تكُن عودته إلى نفسه قائمة على إدانة الذّات، أو على الشُّعور بالذّنب أو على التّفكير العميق، بل كانت فحصًا واختبارًا لكُلّ هذه في قُوّة الصّلاة الّتي تجلّت من خلال إعترافه الصادق  والمـُسبق بخطيئته تُجاه أبيه والسّماء في قرارة نفسه. وحدها نعمةُ الصّلاة الحقيقيّة حيثُ يكونُ الرُّوحُ القُدُس هو الفاعل الأوّل والأخير تُعيدُنا إلى أنفُسنا في حضرة الرّبّ فنعرف نعمة المُصالحة والشّفاء الرُّوحيّ. إنطلاقًا من هُنا أصبحت خطواتُ الإبن التائب رشيقة، وطريق العودة سريعة لأنّ عاملا الجوع والعطش ليسا تمنٍّ بالإشباع، بل إرادةً ورغبةً في مُعانقة الآب. هذا ما نحنُ مدعُوّون لإختباره في التّوبة لكي نتذوّق طعم المحبّة المـُحرّرة والشّافية. آمين.

تابعوا قناتنا

https://www.youtube.com/AllahMahabbaorg

شكراً لزيارة موقعنا. ندعوك لمشاركة هذه المقالة مع أصدقائك ومتابعة “الله محبّة” على مواقع التواصل الإجتماعي على فيسبوك وانستغرام ويوتيوب وتويتر. نسأل الله أن يضع سلامه في قلبك أينما حللت ومهما فعلت وخاصّة في لحظات الخوف والألم والصعاب. ليباركك الربّ ويحفظك، ليضئ بوجهه عليك ويرحمك وليمنحك السّلام!